خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة اختتام الدورة العادية الثامنة للّجنة المركزية
للتجمع الدستوري الديمقراطي

(قرطاج، في 17 ديسمبر 2007)

بسم الله الرحمان الرحيم

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

يسعدني أن ألتقي بكم في اختتام أعمال هذه الدورة العادية الثامنة للجنة المركزية، وأن أتوجه إليكم وإلى سائر مناضلي التجمع ومناضلاته في الداخل والخارج بالتحية والتقدير، مجددا الإشادة بما تبذلونه من جهود، وبما تقومون به من عمل دؤوب، تجسيما لمبادئ حزبنا العتيد، وفي إطار ما نرسمه من توجهات وبرامج، حتى يظل التجمع حزبا رائدا على الدوام، يحمل لواء الإصلاح والتغيير والبناء للمستقبل.

وأسجل بارتياح ما اتسمت به أعمال هذه الدورة، من عمق ونجاعة في تناول المسائل المعروضة، وما دار بينكم حولها من حوار مستفيض.

وإذ أعرب لكم عن عميق تأثري وبالغ شكري وتقديري لما عبرتم عنه في لائحة اللجنة المركزية من مشاعر نبيلة لمسنا صدقها وإخلاصها وما تميزت به من وفاء والتزام بخياراتنا وتوجهاتنا وولاء راسخ لتونس دون سواها، وعزم قوي على مواصلة النضال لكسب الرهانات وتحقيق الطموحات، فإني أثني على ما جاء في اللائحة من توصيات ومقترحات سنوليها كل العناية، سواء تعلقت بالمجال الحزبي أو بالمستوى الوطني.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن انعقاد هذه الدورة إثر احتفال شعبنا بالذكرى العشرين لتحول السابع من نوفمبر يضفي عليها أهمية خاصة. وقد حرصنا على أن تكون تلك الذكرى منطلقا لمرحلة جديدة من مسيرة بلادنا على درب الإصلاح والنماء والبناء الحضاري الشامل.

كما أردنا، من خلال جملة القرارات والإجراءات التي أعلناها، أن نوفر لشعبنا المزيد من شروط التقدم والرقي، في كنف الثوابت والخيارات التي أقمنا عليها مشروعنا الإصلاحي.

وإن التجمع الذي ائتمناه على التغيير، فنهض بهذه المسؤولية التاريخية على امتداد العقدين الماضيين على أكمل الوجوه، مدعو في هذه المرحلة إلى مزيد تكثيف الجهود، وتطوير أساليب العمل وتنويعها، حتى يكون دائما في طليعة القوى الوطنية، يعمل ويناضل، ويعمق الوعي بالخيارات والتوجهات، ويوفر التعبئة اللازمة لتجسيم ما نرسمه لفائدة شعبنا من البرامج والأهداف، وما نتخذه من الإجراءات والقرارات.

وتتميز الفترة القادمة من مسيرة التجمع، باستعداده لعقد مؤتمره الخامس خلال الصائفة القادمة. وهو حدث بالغ الأهمية، باعتبار مكانة حزبنا في الساحة الوطنية، وما نعلق على قدراته من مال لكسب الرهانات ورفع التحديات، وباعتباره كذلك حدثا وطنيا تتابعه كل الأطراف في بلادنا ويهتم به الأشقاء والأصدقاء. وسنحرص على توفير الشروط اللازمة لانعقاده حتى يكون المؤتمر القادم للتجمع، منطلقا لمرحلة جديدة من النضال والعمل السياسي، في ضوء ما يشهده الواقع التونسي من تطور مطرد على جميع المستويات، وعلى أساس ما رسمنا لبلادنا من فاق التقدم والازدهار.

وإني أدعو هياكل التجمع، في الداخل والخارج، الى إحكام الاستعداد لهذا الموعد السياسي البارز في ظل التقاليد العريقة لحزبنا في هذا المجال. كما أدعو الى أن يكون استعدادنا لتنظيم المؤتمر مناسبة لانطلاق حركية شاملة، يساهم فيها مناضلو حزبنا ومناضلاته وكل كفاءاته في مختلف الميادين وشتى المستويات القاعدية والمحلية والجهوية والوطنية.

وفي هذا الإطار، نتولى اليوم إعطاء إشارة الانطلاق للإعداد للمؤتمر القادم للتجمع. ونأذن بتشكيل لجان وطنية وجهوية ومحلية، وكذلك على صعيد هياكل التجمع في الخارج، تعهد إليها مهمة التفكير في مختلف مجالات مسيرتنا الحزبية والوطنية، استعدادا لصياغة مشاريع اللوائح التي ستعرض على المؤتمر القادم للتجمع، على أن تنطلق اجتماعاتها على المستوى المحلي والجهوي في أواخر شهر جانفي 2008 وعلى المستوى الوطني خلال شهر مارس 2008.


وإني أوصي بأن يفسح مجال المشاركة الواسعة في هذه اللّجان أمام الإطارات والنخب التجمعية ولاسيما الشباب والمرأة، حتى تكون مرحلة الإعداد للمؤتمر فرصة لمزيد التعبئة والتأطير، في كنف الوعي بالمسؤولية الملقاة على كاهل حزبنا، وعلى أساس المبادئ والأخلاقيات التي أقام عليها عمله السياسي.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن الاضطلاع بمسؤولية الحكم يقتضي من حزبنا أن يكون العين الساهرة على مسيرتنا الوطنية، والقوة المؤازرة لجهود الدولة في تنفيذ البرامج وتحقيق الأهداف المرسومة.

واذ انطلقت بلادنا في إنجاز المخطط الحادي عشر للتنمية، فإني أؤكد مجددا ضرورة اضطلاع التجمع بمهامه الرائدة لتعزيز مقومات إنجاح هذا المخطط الهام، وتعميق الوعي ببرامجه ومضامينه، وأهدافه، دون أن يحجب عنا الصعوبات والتحديات التي تنتظرنا. وهي صعوبات وتحديات تفرزها التقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والارتفاع المشط لأسعار المحروقات والمواد الأساسية، والحبوب ومشتقاتها.

وإزاء هذه الصعوبات المتوقعة والتي قد تكون سببا في تعطيل مسيرة التنمية في العديد من بلدان العالم، لابد من مضاعفة الجهود لتعبئة المجتمع لمواجهتها، وتعميق الوعي بانعكاساتها، واستنفار الحس الوطني من أجل تطوير السلوكيات وتحمل التضحيات التي لا مناص منها أحيانا في سبيل تعزيز تقدم بلادنا ودعم مناعتها.

ولا يكون ذلك إلا بمزيد العمل والبذل، والتعويل على الذات، وحسن التصرف في القدرات الوطنية، وترشيد الاستهلاك، والمحافظة على الموارد، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

إنه رهان مصيري تتحمل مسؤولية كسبه كل القوى الوطنية، وفي طليعتها التجمع الدستوري الديمقراطي، اضطلاعا برسالته النضالية المتجددة.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن رهاننا على الشباب من رهاننا على المستقبل وحرصنا على أن يكون في مستوى طموحاتنا.

وهو ما أكدناه في خطابنا بمناسبة الذكرى العشرين للتحول، بما اتخذناه من إجراءات لفائدة الشباب، وبدعوتنا الى تنظيم حوار شامل معه يفضي الى صياغة ميثاق للشباب. وإننا نوصي التجمع بأن يكون رائدا في مجال الإحاطة بالشباب في تونس وفي الخارج من أبناء الجيل الثاني والثالث، والإصغاء الى مشاغله، وفتح المجال أمامه للتمرس بالنضال الحزبي والعمل السياسي. فمستقبل الأحزاب يتوقف على مدى ما يتوفر في صفوفها من قوى شابة تجدد طاقتها وتضمن استمرارها وبقاءها.

وإن التجمع الذي اقترن تاريخه بتاريخ شبابه النضالي وما نشأت عليه أجياله المتعاقبة من وطنية وتضحية، مدعو اليوم إلى المثابرة على هذا المنهج. ونحن نعول على منظمتي الشباب الدستوري، وطلبة التجمع، لمزيد الانفتاح على مختلف الفئات الشبابية واستقطابها، وتوفير أفضل السبل لتكوينها، والتفاعل مع مشاغلها وتطلعاتها.

ويبقى رهاننا كذلك على المرأة رهانا على تونس الحداثة. لأنه من صميم تصورنا لحقوق الإنسان ومن جوهر رؤيتنا للديمقراطية والتنمية.

وفي هذا الإطار يتنزل حرصنا على تعزيز حضور المرأة في صفوف التجمع، ودعم مكانتها داخل هياكله، وعلى مزيد تفعيل دورها في برامجه وأنشطته.

وهو توجه أكدناه في خطابنا بمناسبة الذكرى العشرين للتحول بقرارنا رفع نسبة حضور المرأة في قائمات مرشحي التجمع للانتخابات التشريعية والبلدية القادمة الى 30% على الأقل، تجسيما للقرار الذي سبق أن أعلناه في برنامجنا لتونس الغد .

وإذ أوصي بمزيد الانفتاح على مختلف الفئات النسائية، ولاسيما في الأحياء الشعبية والمناطق الريفية، فإني أدعو المرأة التجمعية الى مضاعفة جهودها، وتوسيع دائرة تحركها وإشعاعها. كما أدعوها الى أن تظل دوما مدافعة عن مكاسبها، متصدية لدعاة التخلف والرجعية وشريكة فاعلة في كسب الرهانات وما ننشده لبلادنا من تنمية وديمقراطية.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن ما شهدته الساحة التجمعية خلال الفترة المنقضية من حركية ولقاءات واسعة بالقواعد في الداخل والخارج وبمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين للتحول، يدعو إلى الارتياح.

وهو مجهود محمود لابد من مواصلة دعمه لما للعمل التعبوي من انعكاس إيجابي على مزيد تعميق وعي مناضلي حزبنا ومناضلاته بالثوابت والخيارات، وبالمكاسب والإنجازات، وكذلك بما ينتظرنا من تحديات يتحتم علينا كسبها.

كما أدعو هياكل التجمع الى مزيد تكثيف تحركها الميداني، والإنصات الى مشاغل المواطنين، ومساعدة المعوزين منهم من خلال ما للتجمع من تقاليد راسخة في مجال العمل الاجتماعي والنشاط التطوعي.

وإني أحيي بهذه المناسبة الجهود المثمرة التي بذلتها الهياكل التجمعية على جميع المستويات، بمناسبة اليوم الوطني للتضامن، شاكرا لها مساهمتها الفاعلة في هذا الحدث الوطني البارز الذي أردناه رمزا لتآزر شعبنا، وصورة مشرقة لمجتمع التضامن الذي نعمل دوما على تعزيز أركانه بما نتخذه من قرارات وإجراءات، وما نأذن به من برامج و آليات.

وإذ أشيد بالجهود المبذولة من قبل التجمع على صعيد التكوين والتأطير والنشاط الفكري والتثقيف السياسي، فإنني أؤكد الأهمية الفائقة لهذا القطاع، لما له من تأثير مباشر في الرفع من أداء القواعد والإطارات، وتعزيز إلمامهم بالقضايا المطروحة، ومدهم بالمرجعية اللازمة لعملهم السياسي. وأدعو الى مواصلة الاهتمام بهذا النشاط وتطوير أساليبه وتوسيع دائرة المستفيدين منه، دعما للرصيد الثري الذي يتميز به التجمع في هذا المجال.

كما أوصي بمزيد تكثيف اللقاءات والندوات الفكرية، على مختلف المستويات المحلية والجهوية والمركزية، تجسيما لحرصنا على أن يكون التجمع، إضافة الى عمله السياسي والميداني، فضاء للتفكير والحوار وتدارس القضايا المطروحة، يضطلع فيه المثقفون والمبدعون بدور نشيط وفاعل.

وإذ يشهد الإعلام التجمعي تحسنا ملحوظا في الشكل والمضمون، بفضل ما نوليه إياه من العناية، فإني أؤكد ضرورة مواصلة هذا المجهود، لما للإعلام التجمعي من دور حيوي في إبراز صورة حزبنا ونشاطه، وكذلك لما يجب أن يؤديه الإعلام التجمعي من مساهمة إيجابية في تجسيم توجهاتنا في هذا الميدان.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن ما توفره العلاقات مع الأحزاب الشقيقة والصديقة، ومع التنظيمات السياسية، الإقليمية والدولية، من فرص سانحة للتنسيق والتشاور والتعاون لخدمة مصالحنا الوطنية، يقتضي من التجمع مواصلة العناية بهذه العلاقات، وتوسيع دائرتها بما يزيد في دعم مكانة حزبنا على الصعيد الخارجي، ويمكنه من التعريف بخياراتنا وبمكاسبنا وإنجازاتنا على أوسع نطاق. فالتجمع له دور أساسي في نشر صورة تونس المشرقة في العالم، وفي تعزيز ما تحظى به من احترام وتقدير، بفضل اعتدال مواقفها، وتمسكها بالشرعية الدولية، وتكريس مبادئ السلم والعدل والاحترام المتبادل في العلاقات الدولية، وتطلعها إلى إرساء أسس التنمية العالمية المتضامنة، والشراكة الحضارية الشاملة، على أساس الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان، ونبذ العنف والتطرف والإرهاب.

وإذ نؤكد تمسكنا بهذه الثوابت والخيارات، فإننا نجدد التعبير عن مساندتنا التامة للقضية الفلسطينية، ودعمنا لكل الجهود الرامية إلى تمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة في إطار حل عادل وشامل ودائم، يضمن السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

كما ندعو مجددا إلى ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية من أجل وضع حد لتردي الأوضاع الأمنية والإنسانية في العراق، وتمكين الشعب العراقي الشقيق من تحقيق الوفاق الوطني، والإقبال على إعادة إعمار بلاده في كنف الوحدة والاستقرار.

ونرجو أن يتوفق لبنان الشقيق إلى تجاوز أزمته والحفاظ على أمنه واستقراره وعلى وحدته الوطنية.

وإذ نؤكد تمسكنا بالبناء المغاربي خيارا استراتيجيا وهدفا مصيريا لشعوب منطقتنا، فإننا لن ندخر جهدا من أجل تسريع وتيرة بنائه وإزالة العقبات التي مازالت تعطل مسيرته، كما نعمل دائما على تعزيز التضامن العربي وتفعيل العمل العربي المشترك، وتحديث هياكله ومؤسساته.

وإن بلادنا التي تستعد للدخول مع مطلع سنة 2008، في منطقة تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي، كأول بلد متوسطي يبلغ هذه الدرجة من الشراكة مع الاتحاد، تظل حريصة على تطوير علاقات التعاون مع دول هذا الفضاء، وإرساء شراكة بناءة مع الاتحاد الأوروبي على أساس الاحترام المتبادل. وهو ما يتكامل مع حرصنا على دعم مختلف أوجه التعاون الأوروبي المتوسطي .

وستعمل بلادنا على تفعيل التضامن الإفريقي وعلى توسيع علاقات التعاون مع مختلف الدول الإفريقية الشقيقة، فضلا عن الإسهام الفاعل في تعزيز أسس الاتحاد الإفريقي، واستكمال تركيز مؤسساته، بما يساعد على توفير الأمن والاستقرار والتنمية في جميع أرجاء قارتنا.

كما سنواصل عملنا الدؤوب من أجل تنمية علاقات التعاون مع الدول الصديقة في العالم وفي مقدمتها دول القارتين الأمريكية والآسيوية.

أيّها المناضلون،

أيّتها المناضلات،

إن ما نبذله من جهود، وما نقدمه من تضحيات، إنما ينبع من حبنا لتونس وولائنا لها دون سواها. كما أن ما نرسمه لها من واسع الآفاق وبعيد الغايات، إنما يعكس حرصنا على الرقي بها الى أسمى المراتب وأعلى الدرجات، وفاء لشهدائنا الأبرار، وصيانة لأمجادنا التليدة، ونهوضا بالأمانة التي عاهدنا عليها الوطن والشعب.

وإننا نريد لحزبنا العتيد أن يكون دائما حزب الريادة والطموح، والفعل والإنجاز، يعمل من أجل تونس، ومن أجل مستقبل أجيالها القادمة.

قال تعالى:»وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.