التغيير قدم لنا الكثير، فماذا علينا اليوم أن نقدم له؟
بقلم:الصادق شعبان(*)
نحيي
هذه الأيام أجمل ذكرى، الذكرى العشرين للتحوّل المبارك. ذكرى
غيّرت حياة شعب، ووضعت علامات كبرى في تاريخ
أمة.
قبل
1987، عشنا سنوات من الترقب، وفترات حيرة. خشينا على مستقبل
وطننا. عمّت الضبابية مصير مكاسبنا. لم نعد نعرف ماذا يعدّ الغد
لأطفالنا.
|
انغلق
النظام. تعطّلت المؤسسات. لم يعد هناك مخرج واضح. صراعات حول الخلافة.
اضطرابات في الشوارع. معارك في ساحات الجامعة. تسلّل لحركات سلفية،
اغتنمت سوء المناخ لاستهواء اليائسين وتجميع الغاضبين. السلطة تبعثرت
والمعارضة المدنية غيّبت. لا انفراج للتأزم، ولا حلّ هادئ في
الأفق.
لذلك
كان التغيير مفاجأة سارة للجميع. كان عملا شجاعا أقدم عليه بطل.كان
إنقاذا هادئا، لا دماء فيه ولا دموع. كان ذكاءًا فائقا في إيجاد
واستخدام المنفذ الدستوري الذي ينظّم حالات عجز رئيس الدولة عن مواصلة
ممارسة مهامه. اجتمعت لجنة طبّية وقضائية للتثبت من العجز. أذنت للوزير
الأوّل آنذاك زين العابدين بن علي، باستلام مهام رئاسة الجمهورية. كان
ذلك قانونيا، وكان ذلك حضاريا.
خرج
الشارع كلّه تأييدا. عبّر التونسيون كلّهم من مختلف الفئات والجهات،
ومن كل الحساسيات، عن طيّ صفحات مؤلمة من تاريخنا، والاستعداد لصفحات
أخرى في حياة الأمة.
كان
الإنقاذ فعليا. أحيا الرئيس زين العابدين بن علي فينا مواطنتنا. صالحنا
مع تونسيتنا. وضّح خياراتنا. أعاد الثقة في النفوس، وزرع الأمل من
جديد.
تمتعنا
بأمان لم نشهده من قبل.
حققنا
نجاحات وبلغنا أرقاما لم تبلغها تونس في تاريخها
قط.
ذلك
أن التغيير لم يكن استخلاف قيادات فقط. لقد كان أيضا مشروعًا جديدًا
متكاملاً. شرعيته ليست في جرأة التصحيح فقط. شرعيته أيضا في تصوّر
المستقبل وفي توضيح الخيارات. شرعيته كذلك في اعتماد أسلوب في القيادة
يعتمد التشريك والاستشراف، ويعبئ كل الطاقات نحو أهداف مرسومة وأجندا
مضبوطة.
لقد
حقق الرئيس تحوّلا كبيرا في السياسات، كما توخّى تحوّلا جذريا في
الأساليب.
فمن
حيث السياسات، حرص الرئيس زين العابدين بن علي على المردودية، وأقام
العمل الوطني على مناخ الحرية ومبدأ التنافسية، في الاقتصاد والسياسة
على السواء.
ومن
حيث السياسات أيضا، حرص الرئيس على الوفاق، ووضع ميثاقا شارك فيه
الجميع. ضبط هذا الميثاق القيم والمبادئ التي تجمعنا، والسلوكيات
والممارسات التي تفرقنا. دعانا لنتشبث بالأولى، ونتجنب
الثانية.
ومن
حيث السياسات كذلك، حرص الرئيس على الاستدامة. فلا تنمية حقيقية ما لم
تكن مستديمة. ولا تكون التنمية مستديمة ما لم تكن تنمية شمولية تأخذ
بالاقتصادي وبالاجتماعي وبالسياسي في نفس الوقت، وتدمج البعد البيئي.
"حسن القيادة" التي يتحدث العالم عنها اليوم انتهجها الرئيس بن علي منذ
مدّة طويلة.
أما
من حيث الأساليب، فقد كان الرئيس زين العابدين بن علي مجدّدا. أصبح
يستشرف المستقبل. أصبح يتحسّب للمتغيّرات ويصقل القدرة الوطنية على
الاستباق. ما كنا نحقق الأرقام التي حققناها رغم محدودية الموارد
وصعوبة الظروف لولا المنهجية الجديدة في القيادة. توضيح للأهداف، تحديد
للمرجعيات، ترقيم للمؤشرات، تحديد للأجندات، توخّ للمرحلية واتباع
المرونة في التغيير، واعتناء بالتقييم الدوري للانجازات وتعديل
للمسارات عند الاقتضاء.
لقد
جعل الرئيس بن علي من التغيير عملا مشتركا. لم يعد التغيير جهد الدولة
وحدها. أصبح التغيير جهد الدولة والمجتمع معًا. لم يعد التغيير جهد
السلطة وحدها. أصبح جهد السلطة والمعارضة معًا. ترك الرئيس بن علي كل
من أراد البقاء على الربوة، وتعامل مع كل من عبّر عن الاستعداد
للمشاركة وعن الحماس للبناء. تعالى الرئيس بن علي على كل نقد عقيم،
وتقبل كل نقد إيجابي.
أضاف
الرئيس ولم يمح. شرّك ولم يقص. أجيال من الكفاءات انضافت إلى أجيال
سابقة. إصلاحات عديدة انضافت إلى إصلاحات سابقة. اكتنـز الرئيس بن علي
كل طاقات الأمة. حمى الرئيس كل مكاسب الأمة. فهكذا تقام الحضارات.
وهكذا تبني الأمم. وبهذا فقط، ترتقي تونس إلى أعلى مراتب
المجد.
76% ممن لهم حق التصويت يشاركون اليوم في
الانتخابات، ولم يكونوا سوى 51% في 1987. أكثر من نصف مليون ناخب (520
ألف) صوّتوا للمعارضة في 2004. حصلت أحزاب المعارضة في 2004 على 37
مقعدا في مجلس النواب. في حين كانت أصوات المعارضة في السابق تعدّ
ببضعة آلاف، وتمثيليتها في مؤسسات الجمهورية
مفقودة.
دعّم
الرئيس بن علي الطبقة الوسطى. بلغت اليوم 81% من السكان (استبيان
استهلاك الأسرة 2006). هذه الطبقة العريضة هي نتاج سياسة اجتماعية
عادلة، وتوجه تنموي اندماجي. مآثرها كبيرة على صلابة النسيج الاقتصادي
وعلى الاستقرار السياسي. لم تكن الطبقة الوسطى قبل 1987 تفوق بكثير
60%.
ارتفع
دخل الفرد 4 مرّات منذ 1987، وارتقى مؤمل الحياة إلى 74 سنة. تدنى مؤشر
الفقر إلى 3.8%. انحصر عدد الذين ينتظرون شغلا في 13.8% رغم الازدياد
الضاغط لنسبة النشطين نساء ورجالا، (42% في 2006 مقابل أقل من 30% سنة
1987). فالتعلّم المطرد للناس والتحرر المتزايد للمرأة، ولّد رغبات
أقوى للعمل، وتدفقات متزايدة ومتنوّعة على سوق الشغل. إن في هذا مؤشر
لحيوية الأمة، وقوة قادمة للاقتصاد.
وضع
الرئيس زين العابدين بن علي أيضا أسسًا للمستقبل تستند إلى إعداد
الشباب. شعاره كان: "إعداد الشباب لمستقبل يتغيّر". اليوم، استكمال
التعليم الأساسي يفوق 70%. استكمال التعليم الثانوي يَصل إلى 60%. شباب
الجامعة بين سنّ 19 و24 يقترب من 40%. تفرز جامعاتنا كل سنة تخصصات
تزداد تنوّعا ومهنيّة. حوالي 60 ألف حامل شهادة هذه السنة، ومن المتوقع
أن ترتقي إلى 100 ألف في 2014. قوّة حقيقية لتونس. تحدّ فعلي صحيح. لكن
في نفس الوقت الفرصة الكبرى لقفزة رائعة، تمكّننا من اللحاق
بالاقتصاديات المتقدمة. أكثر من مليون حامل شهادة إلى حدود 2016 .
تدفقات تغذي النسيج الوطني الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. علينا أن
ننجح في زرع هؤلاء الخريجين في مؤسساتنا الاقتصادية. علينا أن نضاعف
نسبة التأطير في المؤسسات التي بقيت في حدود 13.8% إذا استهدفنا معدّل
أوروبا. علينا أن نواصل فتح الآفاق أمام حاملي الشهادات لنحدث بهم
مؤسسات جديدة في قطاعات واعدة. علينا أن نرتقي بنسـق الإحـداث الحــالي
(3.5% إضافة سنوية إلى المؤسسات الموجودة) ونقترب من المعدّل الأوروبي
(10%).
مستقبلنا
واعد. استثمارنا في البحث والتجديد يتزايد. بلغنا اليوم قدرة صناعية
على التجديد. أصبح خمس منتوجاتنا ذا محتوى معرفي. فضاءاتنا البحثية
تزداد. إنّها تتنوّع وتنتشر.
ما
قدّمناه هو البعض من مؤشرات واعدة. المؤشرات الأخرى عديدة وجديدة.
مؤشرات لم تكن تونس تتحدث عنها في السابق. مؤشرات لم تبلغها تونس في
حياتها قطّ.
المطلوب
منا الآن، نحن كمواطنين، أن نقيّم دورنا في مسار التغيير. علينا أن
نحاسب أنفسنا عمّا أضفناه لوطننا. لنسأل أنفسنا: ماذا قدّمنا للتغيير؟
بماذا ساهمنا في ازدهار تونس وفي ضمان مناعتها؟
التغيير
كان إنجازًا لنا. يجب اليوم وغدًا أن يكون أيضا جهدًا
منا.
لا
للوقوف على الربوة، لأن الاستقالة ليست من قيم
المواطنة.
لا
للخطاب الأجوف، لأنه لا يضيف شيئا.
علينا
أن نتحلّى بقيم التغيير. علينا أن نستحضر مبادءه في كل لحظة. علينا أن
نتمسّك دائما بأخلاقيات رئيسنا. علينا أن نتبع سلوكه، وأن نتشبث
بمنهجه.
علينا
أن نُخلص للتغيير. علينا أن نلتفّ حول قائد التغيير لمواصلة المسار
الذي لم ينته بعد. علينا أن نجمّع جهودنا لنرفع التحديات التي لا
تنتهي. إنها تتجدّد وتتعقّد.
علينا
أن نتجنب الممارسات التي تخلّ بمبادئ نوفمبر الخالدة، وأن نقف في وجه
كل من يخالفها وينتهكها.
علينا
أن نحمي ديمقراطيتنا من كل تسلّل خطير. علينا أن نحميها من كلّ تدخل
يحمل في طياته بعثرة المسار التعددي الداخلي، وينفخ في صولة حركات لا
شرعية حقيقية لها ولا حضور شعبي ميداني.
علينا
أن نحصّن شخصيتنا. علينا أن نحمي هويتنا. علينا أن نستميت للدفاع عن
تونسيتنا. نصون رموزنا. نتغنى بأبطالنا. نستلهم سلوكنا من مرجعياتنا
فقط. ننتصر لتاريخنا، كل تاريخنا. نفتخر بكل حقبات التاريخ، منذ قرطاج
وقبل قرطاج. نُحيِي كل مواعيدنا دون استثناء. نتيقظ لمنع سلوكيات
وممارسات تتسلّل إلينا عبر فضائيات خطيرة. علينا أن نحمي وسطيتنا،
وحداثتنا. دون هذا لن تكون تونس هي تونس. ودون هذا لن تكون تونس
تُونِسَنا. دون هذا، لن يكون المستقبل مثلما نريده.
بدأنا
مسارًا رائعًا، فلنواصله. سلكنا مسلكًا واضحًا فلنستكمله. بنفس الروح،
بنفس الحماس، بنفس اليقظة.
ومع
من بدأنا نواصل. بنفس الإخلاص، بنفس المصارحة، بنفس
العطاء.
بهذا
نقدّم للتغيير البعض مما قدمه. بهذا يصبح التغيير فينا. بهذا تصبح تونس
منيعة شاهقة. بهذا يعود المجد الذي بلغه أجدادنا، زمن قرطاج، وزمن
القيروان والزيتونة. بهذا نحقّق حلمنا، حلم كل
التونسيين.
(*) رئيس المجلس الاقتصادي
والاجتماعي
|